أحمد مصطفى المراغي
110
تفسير المراغي
من سوق الحجج والأدلة دون أن تكون هي من بينها - كما أن فيها رمزا إلى تعظيم شأن التفكر وأنه مبدأ العلم والسبيل للوصول إلى الحق ، ومن ثم حث اللّه عليه في مواضع كثيرة من كتابه كقوله : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » * وقوله « كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . ( ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) أي قبحت صفة أولئك القوم في الصفات ، وساء مثلهم في الأمثال بإعراضهم عن التفكر في الآيات والنظر إليها نظر عداوة وبغضاء ، وهم بعملهم هذا إنما يظلمون أنفسهم وحدها بحرمانها من الاهتداء بها وجعلها السبيل الموصلة إلى السعادة في الدنيا والآخرة . ولم يعيّن الكتاب الكريم اسم من ضرب به المثل ولا جنسه ولا وطنه ولا جاء في السنة الصحيحة شئ من ذلك ، فلا حاجة لنا في العظة إلى بيانه . ولرواة التفسير بالمأثور روايات كثيرة في شأنه . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن آتاه اللّه آياته فتركها ، وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن عبد اللّه بن عمرو أنه هو أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وفي لفظ : نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت ، وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال قال : أمية بن أبي الصلت : ألا رسول لنا منا يخبّرنا * ما بعد غايتنا من رأس نجرانا قال : ثم خرج إلى البحرين وتنبأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين ، ثم قدم فلقى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جماعة من أصحابه فدعاه النبي صلى اللّه عليه وسلم وقرأ عليه ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) حتى فرغ منها فوثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول : ما تقول يا أمية قال أشهد إنه على الحق ، قالوا فهل تتبعه ؟ قال حتى انظر في أمره ، فخرج أمية إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم ، فلما أخبر بقتلى بدر ترك الإسلام ورجع ،